السيد الطباطبائي
41
تفسير الميزان
قوله تعالى : " قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا " ابتدرت إلى تكليمه لما أدهشها حضوره عندها وهي تحسب أنه بشر هجم عليها لأمر يسوؤها واستعاذت بالرحمن استدرارا للرحمة العامة الإلهية التي هي غاية آمال المنقطعين ؟ إليه من أهل القنوت . واشتراطها بقولها : " إن كنت تقيا " من قبيل الاشتراط بوصف يدعيه المخاطب لنفسه أو هو محقق فيه ليفيد إطلاق الحكم المشروط وعلية الوصف للحكم ، والتقوى وصف جميل يشق على الانسان أن ينفيه عن نفسه ويعترف بفقده فيؤل المعنى إلى مثل قولنا : إني أعوذ وأعتصم بالرحمان منك إن كنت تقيا ومن الواجب أن تكون تقيا فليردعك تقواك عن أن تتعرض بي وتقصدني بسوء . فالآية من قبيل خطاب المؤمنين بمثل قوله تعالى : " واتقوا الله إن كنتم مؤمنين " المائدة : 57 ، وقوله : " وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين " المائدة : 23 . وربما احتمل في قوله : " إن كنت " أن تكون إن نافية والمعنى ما كنت تقيا إذ هتكت علي ستري ودخلت بغير إذني . وأول الوجهين أوفق بالسياق . والقول بأن التقي اسم رجل طالح أو صالح لا يعبأ به . قوله تعالى : " قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا " جواب الروح لمريم وقد صدر الكلام بالقصر ليفيد أنه ليس ببشر كما حسبته فيزول بذلك روعها ثم يطيب نفسها بالبشرى ، والزكي هو النامي نموا صالحا والنابت نباتا حسنا . ومن لطيف التوافق في هذه القصص الموردة في السورة أنه تعالى ذكر زكريا وأنه وهب له يحيى ، وذكر مريم وأنه وهب لها عيسى ، وذكر إبراهيم وأنه وهب له إسحاق ويعقوب ، وذكر موسى وأنه وهب له هارون عليه السلام . قوله تعالى : " قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا " مس البشر بقرينة مقابلته للبغي وهو الزنا كناية عن النكاح وهو في نفسه أعم ولذا اكتفى في القصة من سورة آل عمران بقوله : " ولم يمسسني بشر " والاستفهام للتعجب أي كيف يكون لي ولد ولم يخالطني قبل هذا الحين رجل لا من طريق الحلال بالنكاح ولا من طريق الحرام بالزنا . والسياق يشهد أنها فهمت من قوله : " لأهب لك غلاما الخ ، أنه سيهبه حالا